محمد جواد مغنية

21

التفسير الكاشف

الأربعة : الصحة ، والزوجة الملائمة ، والمال الذي يسد الحاجة ، والجاه الذي يحفظ الكرامة . . وأحسب ان صاحب هذا الرأي قد نظر إلى السعادة من خلال نفسه وحاجته ، لا من خلال الواقع . . وإلا فأين الشعور بمشاكل العالم ، وآلام الناس ؟ . وأين الخوف من الوقوع في الأخطاء ، ومن سوء العاقبة والمصير ؟ . وأين حملات الكذب والتشهير ؟ . إلى ما لا نهاية من الهموم التي تتكدس وتتراكم على القلب . والحق ان السعادة المطلقة في كل شيء وسائر الأحوال لم تتحقق لإنسان . . وأحسب انها لن تتحقق إلا في غير هذه الحياة . . أما السعادة نسبيا وآنيا فقد مرت بكل انسان ، ولو في عهد طفولته . . ومن المفيد أن نوضح السعادة النسبية بالبيان التالي : ان للاستمتاع بالحياة مظاهر شتى ، منها التمتع بالربيع والأشجار ، والشلالات والأنهار ، ومنها تذوق الشعر والفن ، ومنها الاطمئنان والخلود إلى الزوجة والصديق ، ومنها التلذذ بالحديث والمطالعة ، إلى غير ذلك من المتع واللذائذ الروحية . ومن مظاهر المتع المادية النساء والمال والبنون ، أما الخيل والانعام والحرث فتدخل في المال ، لأنها من جملة أقسامه وأفراده ، تماما كالذهب والفضة ، ولكن هذه اللذائذ والرغائب بشتى مظاهرها لا تحقق السعادة المطلقة للإنسان ، لأن الدنيا لا تصفو لأحد من جميع الجهات . . فإن كان في يسر من العيش شكا الأمراض والأسقام ، وان جمع بين الصحة والثراء شكا من بيته أو أرحامه قال الإمام أمير المؤمنين ( ع ) : « وان جانب منها اعذوذب واحلولى أمرّ منها جانب فأوبى ، لا ينال امرؤ من غضارتها رغبا إلا أرهقته من نوائبها تعبا » . أما السعادة النسبية ، أي في حال دون حال ، فلا يخلو منها إنسان . وخير مثال يوضح هذه السعادة ما قرأته في بعض الكتب ، قال صاحب الكتاب : « خرجت عائلة إلى النزهة ، فيها نساء وأطفال ، وعم وخال ، وأب وجد . . ولما بلغوا جميعا المتنزه تقلب طفل على العشب ، ونضد آخر عقودا من الأقحوان ، وصنعت الأم شطيرة وسندويش ، ونهش العم تفاحة ذات ماء ، وأدار الخال أسطوانة على الحاكي ، وتمدد الأب على الثرى ، يتطلع إلى قطيع من الغنم ،